ابن كثير
176
البداية والنهاية
موضع مسجد دمشق " قال ابن عساكر : وهذا منقطع ومنكر جدا ، ولا يثبت أيضا لا من هذا الوجه ولا من غيره . وقال أبو بكر البرامي : حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الملك بن المغيرة المقري ، حدثني أبي ، عن أبيه أن الوليد بن عبد الملك تقدم إلى القوام ليلة من الليالي فقال : إني أريد أن أصلي الليلة في المسجد ، فلا تتركوا أحدا يصلي الليلة ، فقال له بعضهم : يا أمير المؤمنين هذا الخضر يصلي في المسجد في كل ليلة ، وفي رواية أنه قال لهم : لا تتركوا أحدا يدخله ، ثم إن الوليد أتى باب الساعات فاستفتح الباب ففتح له ، فإذا رجل قائم بين الساعات وباب الخضراء الذي يلي المقصورة يصلي ، وهو أقرب إلى باب الخضراء منه إلى باب الساعات ، فقال الوليد للقوام : ألم آمركم أن لا تتركوا أحدا الليلة يصلي في المسجد ؟ فقال له بعضهم : يا أمير المؤمنين هذا الخضر يصلي كل ليلة في المسجد " . في إسناد هذه الحكاية وصحتها نظر ، ولا يثبت بمثلها وجود الخضر بالكلية ، ولا صلاته في المكان المذكور والله أعلم . وقد اشتهر في الأعصار المتأخرة أن الزاوية القبلية عند باب المأذنة الغربية تسمى زاوية الخضر ، وما أدري ما سبب ذلك ، والذي ثبت بالتواتر صلاة الصحابة فيه ، وكفى بذلك شرفا له ولغيره من المساجد التي صلوا فيها ، وأول من صلى فيه إماما أبو عبيدة بن الجراح ، وهو أمير الامراء بالشام ، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، وأمين هذه الأمة ، وصلى فيه خلق من الصحابة مثل معاذ بن جبل وغيره لكن قبل أن يغيره الوليد إلى هذه الصفة ، فأما بعد أن غير إلى هذا الشكل فلم يره أحد من الصحابة كذلك إلا أنس بن مالك ، فإنه ورد دمشق سنة ثنتين وتسعين ، وهو يبني فيه الوليد ، فصلى فيه أنس ورأى الوليد وأنكر أنس على الوليد تأخير الصلاة إلى آخر وقتها كما قدمنا ذلك في ترجمة أنس ، عند ذكر وفاته سنة ثلاث وتسعين ، وسيصلي فيه عيسى بن مريم إذا نزل في آخر الزمان ، إذا خرج الدجال وعمت البلوى به ، وانحصر الناس منه بدمشق ، فينزل مسيح الهدى فيقتل مسيح الضلالة ، ويكون نزوله على المنارة الشرقية بدمشق وقت صلاة الفجر ( 1 ) ، فيأتي وقد أقيمت الصلاة فيقول له إمام الناس : تقدم يا روح الله ، فيقول : إنما أقيمت لك ، فيصلي عيسى تلك الصلاة خلف رجل من هذه الأمة ، يقال إنه المهدي فالله أعلم . ثم يخرج عيسى بالناس فيدرك الدجال عنه عقبة أفيق ، وقيل بباب لد فيقتله بيده هنالك . وقد ذكرنا ذلك مبسوطا عند قوله تعالى ( وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمن به قبل موته ) [ النساء : 158 ] وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكما مقسطا ، وإماما عادلا ، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ، ولا يقبل إلا الاسلام ) ( 2 )
--> ( 1 ) الحديث في صحيح مسلم : كتاب الفتن - 20 باب - ح 110 ص 2250 . ( 2 ) صحيح مسلم - كتاب الايمان - ( 71 ) باب ح ( 242 ) . ص 1 / 135 . - حكما : أي حاكما بهذه الشريعة يعني أنه لا ينزل برسالة مستقلة وشريعة ناسخة . - يضع الجزية : أي لا يقبلها ولا يقبل من الكفار إلا الاسلام أو القتل .